انقسام قادة المعارضة السودانية في المنفى إزاء السلطة
في أقل من أربعة أيام أصدر التجمع الوطني الديمقراطي، تحالف المعارضة السودانية في المنفى، وبعض الفصائل المنضوية تحته ثلاثة بيانات، الأول خاص بإعلان فشل التجمع في الاتفاق على المشاركة في السلطة التنفيذية خلال الفترة الانتقالية.
وفي اليوم نفسه أصدرت مجموعة داخل التجمع تضم الحزب الاتحادي الديمقراطـي والقيادة الشرعية والحزب القومي والنقابات وحزب البعث السوداني وحركة الفتح، بياناً باسم التجمع الوطني الديمقراطي، بقبول المشاركة في مؤسسات السلطة.
وبعد هذا القرار بيوم أصدر المجلس العام للاتحادات النقابية بالخارج بياناً قال فيه إن النقابات الممثلة في التجمع، »ليس لها أي علاقة بهذا البيان (الأول) ولم تقرر المشاركة في السلطة التنفيذية، موضحا أن الأشخاص الذين أقحموا اسم النقابات في هذا البيان لا يمثلون إلا أنفسهم، وسوف تتخذ النقابات الإجراءات اللازمة تجاههم«.
البيانات الثلاثة حملت موقفين، ودفاعاً مستميتاً عن هذه المواقف.
»البيان« استطلعت آراء عدد من قيادات التجمع الوطني، الراغبين في المشاركة والمقاطعين لها، حول قراءة كل هذه البيانات وما ترمز إليه من تكتلات وانشقاقات بدأت بودارها في صفوف التجمع،
وشكل العلاقة مستقبلا بين الفصائل المشاركة والمقاطعة، وماذا يعني تمسك »البعض« بالمشاركة واستبسالهم في نيل »كرسي« الوزارة أو الولايات، وهل سيكون ثمن مشاركة هؤلاء التضحية بالتجمع ككيان ظل يحمل أهدافا نبيلة من أجل تحقيق الرفاهية والاستقرار لبلد عانى ويعاني من أزمة متكاملة ثبت فشل حلها بالتجزئة؟!
* الفريق عبدالرحمن سعيد نائب رئيس التجمع، والمرشح لمنصب وزير التقانة في الحكومة الانتقالية، وممثل القيادة الشرعية في التجمع، دافع عن قرارهم بالمشاركة، وقال: لقد أكدنا في بياننا على وحدة التجمع،
وسنعمل جاهدين لذلك، وبياننا جاء بعد دراسة مستفيضة وارتضاه الجميع. وقد كان قرار التجمع الأول واضحا في ترك أمر المشاركة التنفيذية لمن يريد من الفصائل. واستدرك قائلا: »إنه قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك خلافا بين فصائل التجمع، ولكننا نؤكد انه لا يوجد أي خلاف«.
وأضاف ان المشاركة هي المشاركة، سواء على المستوى التشريعي أو التنفيذي »وبما أن التجمع قبل بالأولى ـــ البرلمانية ـــ فلن تشكل التنفيذية أي ضرر. ونؤكد أننا لن نذوب في المؤتمر الوطني، وإنما دورنا سيكون مراقبة كل ما يدور داخل أروقة الحكومة، ولن نشارك في أي قرار لا يخدم مصلحة السودان«.
* التيجاني الطيب ــــ عضو هيئة قيادة التجمع، وعضو سكرتارية الحزب الشيوعي السوداني له رأي آخر، ويقول إن عنوان بيان المجموعة المؤيدة للمشاركة في السلطة التنفيذية »غير موفق«، فهو على الأصح »بيان حول المشاركة« يمكن أن يوقع عليه من يرغب، بدلا من أن يعطي الموقعون أنفسهم حق التحدث، من غير حق، باسم التجمع. بل ويرى أن التوقيع نفسه إشارة مهمة في هذا الصدد لأن بيانات التجمع كانت تصدر دائما عن الناطق الرسمي باسمه فقط.
ويضيف »الطيب« ان الخطورة في هذا الأمر تكمن في إخراج غير الموقعين من التجمع، وهذا نهج يفتح الطريق إلى خلق كتلتين داخل التجمع لكل منهما منبرها الخاص وبياناتها المنفصلة، وهو نهج محفوف بمخاطر التفكك والانقسام. بل إن الخطورة في حالة البيان المذكور، تكمن في إسناده إلى فصائل التجمع.
فها هي النقابات ترفض إدماجها في البيان وتؤكد انها حددت موقفها ضد المشاركة في السلطة التنفيذية وفق العرض المقدم من الحكومة، وأنها أكدت ذلك في رسائل مكتوبة إلى رئيس التجمع وإلى هيئة القيادة من داخل وخارج السودان.
ويؤمن الطيب على الحق الكامل لكل الفصائل في تحديد مواقفها من مختلف القضايا. ولكنه يؤكد أيضا أن التجمع عمل دائما على توحيد تلك المواقف، ومداولات إجتماعاته تشهد على ذلك: فالقرارات تتخذ بالتراضي ولم يكن هناك تصويت إلا في حالات قليلة وفي المسائل الإجرائية، وكان قادة الفصائل يبذلون جهدا كبيرا في سبيل التوصل لقرارات مقبولة لهم جميعا.
وليس أدل على ذلك من المناقشة حول قضية المشاركة في أجهزة السلطة الانتقالية، والتي استغرقت في مرحلتها الأخيرة قرابة شهرين. ويمثل (قرار 6 أكتوبر) محاولة للتسوية بين مواقف الفصائل، حيث تمت الموافقة الجماعية على المشاركة في الأجهزة التشريعية،
واعتبار العرض المقدم حول الأجهزة التنفيذية »لا يتناسب وحجم التجمع وفصائله، وبالتالي غير مقبول«، تاركين الباب مفتوحاً في الوقت نفسه لأي تعديلات إيجابية تطرأ عليه وتجعله مقبولا.
ويضيف التيجاني الطيب أنه وبالرغم من ذلك، حينما طلب رئيس التجمع إعادة المناقشة حول هذا الأمر، تجددت المساعي من أجل التوصل إلى اتفاق.. ولكن استحال الإجماع على قبول المشاركة حول عرض لم يزل كما هو. وامتدادا للرغبة في الاتفاق صدر القرار بأن يترك للفصائل الراغبة في المشاركة في الأجهزة التنفيذية فعل ذلك، ولكن على مسؤوليتها وخارج نطاق التجمع الوطني.
ولا شك أن هذه صيغة يمكن، رغم عيوبها، أن تحفظ وحدة التجمع.لكن البيان الصادر باسم التجمع والموقع عليه من بعض فصائله يسير في اتجاه مضاد »وهذا شيء مؤسف« كما يقول.
**خطأ كبير
* فاروق أبو عيسى مساعد رئيس التجمع للشؤون القانونية بدوره يقول: وددت لو أن بيان المجموعة التي قررت المشاركة التنفيذية لم يخرج، وأن الذين وقعوا عليه لم يوقعوه، خاصة وأنهم جزء من كل.. ومع ذلك سموا بيانهم باسم التجمع الوطني بأكمله.
ويضيف أبوعيسى أن بيان المجموعة يقوم على خطأ كبير حاولوا تزيينه وبيعه للآخرين، وهو الإدعاء بأن التجمع سمح لهم وفتح الباب ليشاركوا، وهذا غير حقيقي. فهي قضية أخذت وقتاً طويلاً من النقاش، وتم التوصل إلى أن تكون مشاركة الفصيل باسمه وعلى مسؤوليته،
وأن يتم كل ذلك خارج إطار التجمع الوطني. ولكن وبطلب من هذه الجماعة ــــ التي قررت المشاركة في السلطة ــ من الطرف الثاني (غير المشارك) بعدم مناسبة استخدام لغة حادة وألفاظ عنيفة في قرار التجمع، تم القبول بذلك.. مع التأكيد عليهم أن مشاركتهم لن تكون بإذن أو سماح من التجمع، وإنما على مسؤولية كل فصيل وباسمه، وألا يستخدموا اسم التجمع في المشاركة التي تتعارض مع قراره القاضي بعدم المشاركة في السلطة التنفيذية.
ويؤكد ان بيان المجموعة »غير موفق«، والأغرب هو الاستمرار في »تصريحات تقوم على المنطق نفسه، وهو أننا سمحنا لهم بالمشاركة وكأنما الأمر طبيعي، في الوقت الذي تمت مداولات بأن مشاركة البعض في السلطة التنفيذية لا يستقيم معها وجود تجمع موحد الإرادة ومتحد القيادة، وان هذا العمل يعرض التجمع ووجوده لهزة يعلم الله مداها، ومن يقدم على هذا العمل يتحمل مسؤولية ما يترتب على ذلك من نتائج مأساوية«.
ويشير أبو عيسى إلى نقطة مهمة، وهي بقاء التجمع ككيان من عدمه عقب هذه القرارات والبيانات، ويقول: بالرغم من الكلمات الطيبة التي قيلت عن أهمية بقاء التجمع، إلا أن المشاركة في السلطة التنفيذية تعني نهاية التجمع بالشكل الذي نعرفه، وهذه مسؤولية كبيرة عمل النظام للوصول إليها منذ أيامه الأولى، فمن يقدم على هذه الخطوة يساعد النظام على تفتيت التجمع.
فالحديث عن المشاركة في السلطة للبعض والبعض في المعارضة هو مجرد أوهام طيبة ومعزولة ولن يكون لها مكان على أرض الواقع.. وللأسف كل هذا الحديث ذُكر داخل اجتماعات التجمع ولكن مع ذلك وقع ما وقع.
ويضيف: ليس الآن أمام الكل إلا العودة إلى مربع التوحد والإرادة الواحدة والتجمع المتماسك والاصطفاف معا أمام القرار الجماعي الذي صدر من التجمع بالاكتفاء بالمشاركة في السلطة التشريعية والإمتناع عن السلطة التنفيذية في الوقت الحاضر.
ويختتم »أبو عيسى« حديثه مؤكداً أنه على ثقة كاملة في وطنية الطرف الثاني، ومن إصرار على وحدة التجمع، »ولكن ليس أمامنا سوى أن نعود إلى ما كنا فيه بالتخلي عن أوهام إنجاز أي شيء لمصلحة شعب السودان بهذه المشاركة الديكورية التعيسة. وثقتي كبيرة في رئيس التجمع وحكمته وحرصه على بقاء هذا الكيان موحداً شامخاً، وأنه سيعيد الأمور إلى نصابه.
* محمد سيد أحمد عتيق، عضو هيئة القيادة وممثل حزب البعث السوداني، قال مبرراً قرار حزبه في المشاركة في السلطة التنفيذية إنه موقف قديم ومعلن منذ مايو 2005، وقد تم شرحه داخل أروقة التجمع واجتماعاته.
وتتركز الفكرة المحورية فيه حول الأزمة في السودان والتي لم تعد أزمة حكم أو سياسية وإنما أزمة مجتمع. وبالتحديد أزمة غياب الكتلة التاريخية القادرة على تطوير الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، والتي اصطلح على تسميتها بـ »القوى الحديثة«.
ويضيف ان نشوء هذه القوى في مطلع القرن الماضي ارتبط في الأساس بنشوء التعليم الحديث ذي الأفق الاستناري، ولكن تخلف السودان التاريخي وتطاول فترات الأنظمة اللاديمقراطية بعد الاستقلال بأثرها التدميري على مختلف جوانب الحياة أدى الى استنزاف طاقة هذه القوى، مثلما يبدو الأمر جلياً في الانهيار المريع للنظام التعليمي من ناحيتي الكم والكيف.
ولذلك فإن قناعة الحزب الراسخة هي ان الاسترداد التدريجي لعافية القوى الحديثة وصولاً إلى المدى الزمني المناسب الى حل أزمة الحكم، لا يمكن ان يبدأ إلا من إصلاح البيئة التعليمية بمجملها،
ولاسيما المناهج وأساليب التدريس. وبما ان هذا الهدف لا يمكن الوصول إليه دون مواقع في السلطة التنفيذية فإن على كل القوى الديمقراطية أن تستثمر الفرصة التي أتاحتها »اتفاقية السلام الشامل« للتقدم على هذا الطريق وتكتيل قواها الشمالية والجنوبية،
فضلاً عن الدعم الممكن من شركاء الاتفاقية ومخصصات المانحين في النرويج، للدخول في صراع طويل ومدروس مع قوى الإسلام السياسي التي تجد من مصلحتها إبقاء النظام التعليمي في أوضاعه الراهنة. وبدون ذلك ـــ كما يقول ـــ ستظل البلاد تراوح في مكان أزماتها الحالية المتراكمة منتهية الى تحلل كامل.
* أما حاتم السر، الناطق الرسمي للتجمع والقيادي الاتحادي في المكتب التنفيذي للتجمع الوطني ـــ فيؤكد أن لا علاقة لبيان مجموعتهم بأي انقسام أو خلافات داخل التجمع، وإنما هو بيان »أملته طبيعة القرار الذي أصدره التجمع الوطني، والذي فشل في التوصل لإجماع حول المشاركة في السلطة التنفيذية«.
وأضاف أن البيان هو توضيح موقف من الفصائل التي وقعته من المشاركة، اشتمل على وجهة نظرها وشرحها للأسباب التي دعتها للقبول بالمشاركة بالرغم من أن المعروض لها غير واقعي ولا يمثل حجمها ولا ثقلها الطبيعي والحقيقي.
ولا يعد البيان خروجا على التجمع، ولكن بحلول الأول من (نوفمبر) الجاري دخل التجمع مرحلة جديدة، ففصائله أصبح جزء منها ملتزماً بالمشاركة في السلطة التشريعية المركزية والولائية،
وجزء ثان شارك مسبقا في السلطتين التشريعية والتنفيذية مثل الحركة الشعبية واليوساب، وجزء ثالث ألزم نفسه بقراره الأخير وفتح الباب للمشاركة في السلطة التنفيذية، وفصائل رابعة ما زالت في طور التفاوض في منابر لم تنته بعد في أبوجا وطرابلس، وربما ينتهي بها المطاف في المشاركة في السلطتين أو سلطة واحدة.
ويشير السر إلى أن هناك واقعاً جديداً أفرزته عملية السلام بالنسبة للتجمع ولا بد للتعامل معه وفق مقتضياته الواقعية، فهو يرى أن التجمع لم يعد تنظيماً كما كان خلال الـ 16 عاماً الماضية، وأصبح أقرب إلى تحالف سياسي عريض يحكمه تنسيق أكثر من تنظيم موحد يحكمه قرار واحد.
ولذلك تكمن أهمية عقد اجتماع لهيئة القيادة للنظر في هذا الأمر وأن تقرر بشأن هذه المستجدات حتى يكون هناك انسجام وتناغم بين كل فصائل التجمع سواء تلك المشاركة في التشريعية فقط.. أو الأخرى أو تلك المشاركة في السلطتين.
لأن هذه الفصائل وبالرغم من موقفها من السلطة انتقالية ومؤسساتها إلا أنها مجمعة على الحفاظ على صيغة التجمع كتحالف واستمراريتها وهذا يساعد في بلورة رؤية موحدة للتعامل مع المرحلة المقبلة.
ويؤكد السر على أنه في كل الحالات يكون التفريط في وحدة التجمع خسارة كبيرة بالنسبة لعملية التحول الديمقراطي وبالنسبة لمستقبل وحدة السودان. المراقبون يرون أن الأزمة الحالية التي يتعرض لها »التجمع الوطني الديمقراطي« يتضح منها أن ما جمع هذه الفصائل والقوى السياسية المنضوية تحته من ميثاق ومقررات لم تكن بقوة الذهنية التقليدية لهذه القوى،
ويدللون على ذلك بأن هذه المواثيق لم تنجح في تخطي عيوب الأحزاب التي وقعت بموافقتها على العمل لخلق سودان جديد. ففي أول اختبار حقيقي لقوة هذه المواثيق انهارت هذه القوى لتؤكد أن ما جمعها ليس فكر أو إستراتيجية أو بناء سودان جديد.
تجدر الإشارة إلى أن مشاركة الحركة الشعبية في السلطة التنفيذية جاء بعد توقيعها اتفاقاً مع المؤتمر الوطني، وهو اتفاق مضمون دوليا، أما مشاركة بعض فصائل التجمع في السلطة فتفتقد لهذه الميزة، فلا يوجد اتفاق فعلي بين هذه الفصائل والمؤتمر الوطني،
وما تم في القاهرة يعلم الجميع أنه توقيع دون الوصول لاتفاق. كما أن الظروف التي اتخذ فيها قرار المشاركة نفسه لا تعطي أي فرصة لوحدة بين قوى التجمع. ويخشى الجميع أن تكون المشاركة في السلطة التنفيذية هي »الكود« الذي سيؤدي في المستقبل القريب إلى تفكيك التجمع الوطني، لأنه لا يعقل أن يكون هناك جسم سياسي نصفه داخل الحكومة والآخر في المعارضة.
وبدا هذا واضحاً في تباعد خطوات الحركة الشعبية عن طريق التجمع، وتناغمها في الإيقاع مع المؤتمر الوطني الذي ما زال التجمع يعارضه(!).فهل سيمثل »اجتماع أسمرا« المقبل ـــ والأخير بالنسبة للتجمع ـــ »طوق نجاة« لما طرح من مواثيق..؟
القاهرة ـ رجاء العباسي
البيان 18/12/2005م
No comments:
Post a Comment