Friday, 2 October 2009

نشاط مولانا السياسى كما يراه المقربون

نشاط مولانا السياسى كما يراه المقربون

الملف السياسي: صحيفة الرأى العام:مجاهد بشير

خدعة صغيرة، ربما تم الإعداد لها مسبقاً، أو أنها أتت كرد فعل مرتجل للموقف، مكنت مولانا محمد عثمان الميرغني من المغادرة وسط ذلك الزحام الخانق في جنينة السيد علي، فبعد إصرار معظم المريدين على الوقوف فى انتظار ظهوره، رغماً عن التوجيهات المتكررة التي نقلت عنه ويأمرهم فيها باللحاق بجثمان شقيقه السيد أحمد، خرج مولانا من حجرته الأولى وغاب داخل حجرات أخرى مجاورة، وأشاع القائمون على الأمر أنه سيصرف بعضاً من الأمور قبل خروجه من تلك الحجرات عبر البوابة المطلة على النيل، حيث انتظره الناس، وأدركوا لاحقاً بعد فوات الأوان أن مولانا محمد عثمان غادر الجنينة منذ وقت باكر، عبر باب آخر.
----------------
أما آخر ما خدع بعض المتابعين لتحركات مولانا السياسية هذه المرة وليست الميدانية، والتي شملت مؤخراً لقاءات بالبشير وسلفا وعلي عثمان، فكان إعلاناً كبيراً تم توزيعه على عدد من صحف الخرطوم، هدفه إبراز رسالة وجهها مولانا إلى سلفاكير ميارديت رئيس الحركة الشعبية والنائب الأول لرئيس الجمهورية بشأن قبول قرار محكمة التحكيم الدائم حول أبيي، فللوهلة الأولى يخيل لمن يقرأه أن الجهة الراسلة، الحزب الاتحادي الأصل، هي من قام بتوزيعه لمبررات يمكن فهمها، لكن بقليل من البحث يتضح أن الإعلان لم يكن مصدره الاتحاديين، بل الطرف الآخر، المرسل إليه، الحركة الشعبية لمبررات تغرى المراقب بالبحث عنها.
دوافع الحركة لإبراز الرسالة ، ليست بعيدة عن نشاط مولانا الأخير، وتأكيده أكثر من مرة على أن الحزب الاتحادي الديمقراطي سيخوض الانتخابات، ما يجعله حليفاً محتملاً للحركة، وهو موضوع تم بحثه كما تقول مصادر اتحادية في دار أبوجلابية خلال ثلاثة لقاءات بين باقان أموم - الأمين العام للحركة الشعبية - ومولانا قبل أشهر والتي أعلن أنها ناقشت تفعيل التجمع الوطني الديمقراطي، ورغم أن لقاء الميرغني سلفا الأخير لم تعقبه إشارة إلى قضية التحالف، بل اقتصر ما رشح على مناقشة قضايا كاتفاقيات السلام والوحدة والشكوى من عدم تفعيل اتفاق القاهرة، إلا أن الموضوع لن يكون غائباً بشكل أو آخر عند زيارة الميرغني المزمعة لجوبا بناء على دعوة سلفا، التي سيمهد لها وفد اتحادي يسبق رئيس الحزب، ونقل عن مولانا قوله للمقربين منه: (أي تحالف لا يفضى إلى الوحدة لن ندخل فيه).
لجنة الحوار المشتركة بين الحزب الاتحادي والمؤتمر الوطني، يؤكد البعض أن من مهامها غير المعلنة بحث إمكانية التحالف، ويذهب هؤلاء إلى بعد من ذلك بالقول إن هناك حديثاً عن نسب اقتسام السلطة بعد الانتخابات، وقد قال الميرغني بعد لقائه الأخير بعلي عثمان محمد طه إنهم بصدد تفعيل اللجنة المشتركة، ومبادرة الوفاق الوطني الشامل التي طرحها الاتحادي، لكن الملفات العالقة بين الحزبين تشمل أيضاً ملف تعويض مولانا عن ممتلكاته وممتلكات الحزب المصادرة.
لقاءات مولانا الأخيرة مع قادة الوطني وضعها قيادي اتحادي منشق في إطار معاملة خاصة تحرص عليها الإنقاذ بشأن مولانا، سعياً للتقارب مع الاتحادي، مدللاً على ذلك بمنح حزب الميرغني مقعد الاتحادي في ملتقى الأحزاب السياسية، في وقت تجاهل فيه الوطني الجناح الاتحادي الذي يشاركه حكومة الوحدة الوطنية، أما المجاملة الثانية بحسب رأي القيادي المشارك في الحكومة فكانت عند تسجيل الحزب، إذ ضغط مولانا على المؤتمر الوطني وسجل حزبه باسم الحزب الاتحادي، وتمت إضافة (الأصل) لتلافي احتجاج الاتحادي المسجل، ويضيف أن الاتحادي يحاول طرح نفسه للمؤتمر الوطني كوسيط، خاصة مع اقتناعه بأنه الوسيط الخفي في نيفاشا، بغرض الحصول على تنازلات من الوطني في قضية الممتلكات المصادرة.
تصاعد وتيرة نشاط مولانا، يصفه مستشاره تاج السر محمد صالح بأنه إيقاع عادي للحزب في العمل على معالجة قضايا البلد، تم نتيجة مشاورات واجتماعات داخل الاتحادي خرجت بأفكار لطرحها على القوى السياسية الأخرى، وينفي تاج السر أن تكون التحركات الأخيرة بحثاً عن عقد تحالفات مع هذا الطرف أو ذاك، ويضعها في إطار الهموم المشتركة في التجمع الوطني الديمقراطي وقضايا أخرى.
إيقاع عمل الحزب العادي انخفض بعد عودة مولانا كما يقول نصر الدين فقيري عضو المكتب السياسي السابق، بسبب إغلاق المركز العام وغيره من مكاتب الاتحادي في الخرطوم، ويرى أن تحركات الميرغني الأخيرة لن تقود إلى شيء ما لم يفتح ملف وحدة الاتحاديين، ويضيف أن على الاتحادي توحيد صفوفه أولاً قبل محاولة التوسط في قضية الوحدة بين الشمال والجنوب.
توحيد صف الاتحاديين لا علاقة له من قريب أو بعيد بجهود الميرغني لتحقيق الإجماع الوطني، كما يؤكد حاتم السر الناطق باسم الحزب الاتحادي، فضلاً عن أن مولانا نفسه يعمل على هذا الملف بطريقته الخاصة ويقول: (على الناس ألا يعولوا كثيراً على خلافات الاتحاديين لأنها ستنتهي بسرعة).. وينفى السر أن تكون تحركات مولانا الأخيرة بحثاً عن تحالفات، في الانتخابات أو قبلها، ويضيف أن التحالفات غير موجودة في سلم أولويات الميرغني، وأن نشاطه الأخير هي لمبادرة الوفاق الشامل، التي تحرك فيها مولانا بالجملة مع كل الأحزاب، ويتحرك الآن فيها بالقطاعي بحسب ما اشار إليه السر، دون أن يتغير هدف كل تلك التحركات، والمتمثل في خلق حالة من التواصل تسهم في الحفاظ على بلد يتعرض للمخاطر.
تفسير بعض تحركات مولانا، خاصة نحو المؤتمر الوطني، بأنها سعي لاستعادة أملاكه المصادرة تفسير مغرض وعدائي من جهات تعمل على إختزال جهد مولانا الوطني لتضعه في خانة المطالبة بحقوقه المصادرة بحسب ما قاله حاتم السر، حقوق لا يطالب بها الميرغني في لقاءاته مع قادة الوطني، بل تتولى متابعتها لجنة خاصة بآل الميرغني تعمل على إرجاع ممتلكاتهم، ولجنة أخرى خاصة بالحزب الاتحادي تعمل منذ أشهر على استعادة ممتلكات الحزب المصادرة (مائتا سيارة جديدة ومستعملة، ومعدات وأجهزة وأموال وحسابات ومستندات.. وأملاك أخرى)، دون الوصول إلى نتيجة بسبب عدم صدقية الحكومة في إرجاعها وفقاً للسر، الذي يضيف أن هذا الملف لا علاقة له بجهود مولانا الوطنية، على الرغم من قول البعض له (ممتلكاتك مصادرة... مالك ومال البلد...).
تحركات مولانا ونشاطه البائن مؤخراً، يذهب البعض إلى أنه ربما لا يبلغ نتائجه المرجوة، بالنظر إلى اقتصار هذا النشاط على الوساطة بين أطراف أخرى، ويصف فقيري الوضع السياسي الراهن بمجمله بأنه حالة توهان تختلط فيها الأوراق، في المقابل، يؤكد السر أن مولانا مُصر على تحقيق التوافق، الذي يرى أن قيام الانتخابات بدونه هو طريق نحو المجهول وينقل عنه قوله: (السلام كان البعض يراه مستحيلاً.. وأتى.. والآن يرون تحقيق الإجماع صعباً).
أبواب سياسية كثيرة في الداخل والخارج دخل منها مولانا في الفترة الماضية، منها زيارته للقاهرة، وحديثه مع افورقي، ورسائل بعث بها للقذافي، والدوحة، وعدد من العواصم العربية الفاعلة الأخرى للمساعدة على تفعيل مبادرته الوفاقية وجهوده، وبغض النظر عن وضع البعض للتحركات في إطار البحث عن التحالفات، أو رد الممتلكات، فإن وجه الشبه بين تحركات مولانا السياسية الأخيرة، وتحركاته يوم الجنينة، يكمن في أن كثيرين يراقبونها ويحاولون توقع الخطوة التالية ، لكن الوحيد الذي يعرف اتجاه خطوته التالية، هو مولانا، وبعض المقربين منه
18 شعبان 1430هـ

No comments: