القيادى بالحزب الاتحادي السوداني حاتم السر علي:
سلسلة من الحروب الطاحنة تنتظر السودان إذا قرّر الجنوب الانفصال
ربما يكون من المهم التعرّف الى طريق ثالث في ظلّ الأجواء التي تعيشها الحالة السودانية التي يتنازعها شريكا الحكم في السودان. هذه الرؤية يقدّمها لنا حاتم السر علي عضة=و الهيئة القيادية بالحزب الاتحادي السوداني والناطق الرسمي باسم الحزب، في هذا الحوار، وهو أقدم الأحزاب السودانية الذي كان يدعو الى الوحدة بين مصر والسودان قبل أن يختار السودان الاستقلال، كما ينفرد الحزب الاتحادي بخاصّية غير موجودة في الساحة السودانية، وهو أنه الحزب الوحيد من الشمال الذي ينفرد بعلاقات خاصة وطويلة مع الحركة الشعبية الجنوبية ذات التوجّه العلماني.
«المشاهد السياسي» ـ القاهرة
> البرنامج الأساسي للحزب الاتحادي يقوم منذ أربعينيات القرن الماضي على الوحدة بين مصر والسودان، والآن بعد ستين عاماً يواجه السودان مشكلة انفصال الجنوب، بعد التصريحات الأخيرة لسلفا كير زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان. ماذا أنتم فاعلون لمنع وقوع الانفصال وأنتم من أكبر القوى السياسية الشمالية والتي حكمت السودان لفترة طويلة؟
< أنا لا أتمنّى الحديث كثيراً حول تصريحات سلفا كير في شأن دعوته العلنية الى أبناء الجنوب للانفصال عن الشمال، لكي يكونوا مواطنين من الدرجة الأولى كما نقل عنه. ونحن نتعامل مع النفي القاطع الذي أعلنه سلفا كير والحركة الشعبية في هذه التصريحات، لكن هناك ما هو أشدّ خطورة من تصريحات سلفا كير، وهي أن جميع المؤشّرات تشير الى أن الجنوب في طريقه الى الانفصال عن الشمال، فجميع استطلاعات الرأي تؤكّد أن الجنوب ماض نحو الانفصال عن الشمال، ونحن كحزب وحدوي نرفض الانفصال تماماً ولا نعمل لأجله، لكن في الوقت نفسه نرفض الحرب من أجل الوحدة، لأن الوحدة يجب أن تكون طوعيّة واختيارية. فرصتنا الوحيدة لكي تكون الوحدة طوعيّة هي الفترة الانتقالية التي تنتهي في العام ٢٠١١، حتى يختار المواطن في الجنوب الوحدة ويفضّلها على الانفصال. وعلى عكس القوى السياسية السودانية، سواء في الشمال أو الجنوب، نحن لا نعتقد بأن التنمية الاقتصادية في الجنوب ستكون كافية لضمان بقاء السودان موحّداً، لأننا نعتقد بأن الوحدة لا بد من أن ترتبط بتغيير الثقافة والقوانين بحيث تساوي بين الجميع، وتجعل من المواطنة المعيار الوحيد للتعامل مع جميع السودانيين، وأن يتم إلغاء جميع القوانين المقيّدة للحرّيّات، والتي تتعارض من نصوص الدستور الانتقالي الذي يقوم على اتفاقية السلام الشامل. والآن هناك فجوة كبيرة بين القوانين التي جاءت في الدستور الانتقالي وبين الواقع الذي نعيشه، والتأخّر والتأجيل في تغيير القوانين القديمة وعدم السرعة في التحوّل الديمقراطي، هما السبب الأول للرغبة في الانفصال عن الشمال. > هل تعتقد بأنه فات الأوان على جعل خيار الوحدة خياراً مقبولاً للجنوبيين؟
< نحن لا يجب أن نفقد الأمل في بقاء السودان موحّداً، وللأسف الشديد هناك الكثيرون يتعاملون الآن وكأن الجنوب اختار بالفعل الانفصال عن الشمال، وهذا خطأ سياسي فادح، يجب أن نحاول ونكرّر المحاولة حتى آخر يوم من أيام الفترة الانتقالية. > إذا قرّر الجنوب الانفصال، مَن الذي يتحمّل مسؤولية الانفصال؟
< شريكا الحكم، وهما المؤتمر الوطني والحركة الشعبية اللذان يتحمّلان المسؤولية بالدرجة الأولى. لأنه طبقاً لما جاء في اتفاقية السلام الشامل، فإن الطرفين مسؤولان عن جعل خيار الوحدة خياراً جاذباً، عن طريق تحقيق التنمية في الجنوب، وإجازة القوانين الجديدة التي تتّفق مع وحدة السودان، وإلغاء جميع القوانين السابقة، وكلاهما لم يفعلا ما يتوجّب عليهما حتى الآن، ونأمل أن يستدركا هذا التقصير خلال الفترة المقبلة حتى إجراء الاستفتاء. وهناك مثال واضح الآن على هذه المناكفات السياسية، وهو ما يتعلّق بتغيير قانون الأمن الوطني، فالمؤتمر الوطني يريد أن يجعل من القانون مثل القوانين الراهنة التي تسمح بالاعتقال وغيرها من الأفعال التي لا تتّفق مع روح اتفاقية السلام، لكن الحركة الشعبية ترفض ذلك، وهو ما ينتقده المؤتمر الوطني بشدّة، ويقول نريد قانوناً للأمن وليس مركز دراسات وجمع معلومات. > أين كان دور الأحزاب الكبيرة في الشمال، مثل الاتحادي والأمّة حتى لا يصل الأمر بين الطرفين الى هذا الحد؟
< الأحزاب الشمالية، ومن خلال المساحة المتاحة لها في العمل الشعبي، حاولت كثيراً، سواء من خلال عقد الندوات والحديث في وسائل الاعلام، لكن مساحة العمل الرسمي محتكرة بشكل رئيسي من جانب المؤتمر الوطني، والحركة الشعبية من خلال وجود حزب المؤتمر الوطني بنسبة ٥٢٪ في البرلمان، والحركة الشعبية بنسبة ٢٨٪، ولذلك هما اللذان يصدران القوانين في البرلمان من خلال الأغلبية التي يتمتّعون بها في البرلمان، وبالتالي ليس هناك مساحة لعمل الأحزاب والقوى السياسية الأخرى في المجال التنفيذي. > المبعوث الأميركي الى السودان سكوت غريشن يقود محادثات مضنية بين شريكي السلام وتمّ بالفعل الاعلان عن بعض النتائج. هل تعتقد بأن واشنطن قادرة على حسم الخلافات نهائياً بين الطرفين؟
< الخلافات بين شريكي الحكم بدأت منذ اليوم الأول لتوقيع اتفاقية السلام، وهناك جهات إقليمية ودولية كثيرة تدخّلت لحسم الخلاف بين الطرفين، لكن الخلافات تعود كما كانت عليه وأكثر، وأنا أتذّكر يوم أن جاء وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، ومعه الوزير عمر سليمان مدير المخابرات المصرية، وزارا الخرطوم وجوباً، وبعدها أعادت الحركة الشعبية وزراءها الى الحكومة، لكن هذا لم يمنع من تجدّد الخلافات بين الطرفين، مما أدّى الى ما نحن فيه الآن. أنا أقول لا بد من وجود إرادة سياسية حقيقية بين شريكي الحكم في السودان، ومهما فعل المبعوث الأميركي أو غيره فإن الخلافات يمكن أن تعود من جديد، والضحيّة في النهاية هو الشعب السوداني ووحدة السودان، لأن الخلاف الأخير بين شريكي الحكم أدّى الى انسحاب البرلمانيين التابعين للحركة الشعبية من المجلس الوطني وتضامن معهم باقي الأحزاب السودانية، وكان من نتيجة ذلك التأخير في تشريع وسنّ قوانين كثيرة كان يفترض صدورها. أنا هنا لا أحمّل الحركة الشعبية مسؤولية الانسحاب أو تعطيل القوانين، لكن مجرّد الخلاف يعطّل تحقيق الوحدة الحقيقية ويعطي إشارات سالبة للمواطن في الجنوب. > تردّد أن الحزب الاتحادي الديمقراطي طرح مبادرة على مصر والسعودية وليبيا وإريتريا، لعقد ملتقى وطني، أو حوار وطني سوداني، يجمع كل السودانيين لحلّ المشاكل المزمنة. ما حقيقة هذه المبادرة وما موقف الدول التي طرحتموها عليها؟
< نحن نعتقد بأن وحدة السودان واستقراره لا تهمّان السودانيين فقط، بل تهمّان دول الجوار الإقليمي التي تتأثّر سلباً وإيجاباً باستقرار السودان، وهناك دول بعينها تلعب دوراً إيجابياً في الحفاظ على وحدة السودان واستقراره مثل ليبيا ومصر وإريتريا، لذلك هناك مبادرة من جانبنا لإخراج السودان من المأزق الحالي، لأننا نعتقد بأن كل الحلول المطروحة على الساحة حلول جزئية، لا يمكن أن تفي بحاجة السودان الى حلول متكاملة تضع أرضية صالحة لبدء مرحلة جديدة من تاريخ السودان، تقوم على مشاركة جميع أبنائه في حلّ مشاكله. وتمّ طرح هذه المبادرة بشكل رسمي من جانب السيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي، على مصر وإريتريا، على أن تكون ليبيا والمملكة العربية السعودية والجامعة العربية وباقي الدول العربية والأفريقية التي تهتم بمستقبل السودان، مشاركة في هذا الحوار الوطني. والحوار الوطني الذي ندعو إليه يهدف الى حلّ مشاكل الجميع والاتفاق على أجندة موحّدة للتعامل مع هذه المشاكل، والخروج بحلول متّفق عليها حتى لا ينفرد طرف أو طرفان بالحلول، لأننا نرفض الحلول الجزئيّة والاتفاقيات الثنائية التي أثبتت أنها غير كافية لحلّ مشكلات السودان. وطلبنا من مصر أن تقود حواراً وطنياً سودانياً على غرار استضافتها الحوار الوطني الفلسطيني. نحن نريد حواراً وطنياً سودانياً شفّافاً يعطي المصلحة العليا للوطن أولوية على حساب المصلحة الحزبية، وحتى الآن هناك إشارات إيجابية من جانب القوى السياسية السودانية، ونسعى لكي يعلن المؤتمر الوطني والحركة الشعبية موقفيهما من هذا الحوار. ونحن نحذّر من عدم التجاوب مع هذه الدعوة الى الحوار، لأن البديل سيكون الفوضى الشاملة. لأنه في ظلّ الاحتقان الحالي، فإن كل الاحتمالات واردة. نحن من جانبنا لا نريد ثروة ولا سلطة، لكننا نريد وطناً للجميع فقط. > في ظلّ هذا الاحتقان في السودان، هل ستجرى الانتخابات خصوصاً وأن تسجيل الناخبين بدأ منذ أيام؟
< الأولوية الآن يجب أن تكون لوحدة السودان والعمل على جعل أبناء الجنوب يصوّتون للوحدة، لأنه ما قيمة الانتخابات فيما لو اختار الجنوب الانفصال؟ ونحن نعمل على رفع الوعي ليس لدى المواطن الجنوبي فقط بل عند المواطن الشمالي أيضاً، لأن هناك من يقول الآن في الشمال إن الجنوب كان دائماً عبئاً على الشمال، وبسبب الجنوب كانت هناك الحروب وتعطّلت التنمية في الشمال، بل بعضهم يذهب الى القول إن الجنوبيين يحتلّون الشمال والعاصمة الخرطوم، في حين أن الشمال لا يأخذ شيئاً من الجنوب، وهذا أكبر خطر على الوحدة أن يكون هناك عدم رغبة متبادلة بين الجانبين في الوحدة. ونحن نقول للجنوبيين والشماليين، إن العلاقة بيننا في الحزب الاتحادي والحركة الشعبية خلال أكثر من عشرين عاماً في التجمّع الوطني الديمقراطي، أكبر دليل على إمكانية التعايش بين الشمال والجنوب، وعندما تعرّض الشعب في الجنوب الى محنة كبيرة، وكانت الحرب مستعرة بين الشمال والجنوب دفع الحزب الاتحادي كل ما يملك من أجل توفير الغذاء لأبناء الجنوب من منطلق كونهم سودانيين في كل الأحوال. نحن كنا مع الحركة الشعبية. والشراكة السياسية الكاملة مثال قوي للغاية لكل سوداني سواء في الجنوب أو الشمال، بأن الوحدة ممكنة وأن التعايش بين أبناء الوطن الواحد ممكنة. > هناك من يطالب بتعديلات على اتفاقية السلام، هل تشاطرونهم هذا الرأي؟
< أعتقد بأن الاتفاقيات السياسية مهما كانت قابلة للتعديل والتطوير، لأنها في البداية والنهاية ليست كتباً سماوية. يمكن التعديل والتغيير فيها إذا كانت نتيجة هذا التعديل الحفاظ على وحدة السودان، لكن في الوقت نفسه من دون فرض الوحدة بالقوّة، سواء قوّة القانون أو قوّة السلاح على الجنوبيين. نحن نريد روح الاتفاقية. وأنا أعتقد بأن المشكلة ليست في النصوص، لكن في عدم التنفيذ الصادق والأمين لما جاء في الاتفاقية. > كيف ترى ما تعلنه قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان من أنها تسعى للوحدة، لكن الأمر قبل كل شيء بيد المواطن عند التصويت؟
< أنا لا أستطيع أن أفهم هذا الحديث، لأن مهمّة القائد والسياسي في كل الظروف، وخصوصاً في الظروف الصعبة، هو توجيه المواطن وتنمية وعيه بالقضايا الهامّة. المواطن قد يكون عاطفياً أو يرى الأمر من جانب واحد، أو متأثّراً بسقوط أحد أقاربه في الحرب، وكل هذا يحتاج الى معالجات من جانب القيادة السياسية، لهذا أنا أقول إن الحركة الشعبية يمكن أن تفعل الكثير من أجل الوحدة، رغم أن الفترة الباقية من الفترة الانتقالية قليلة جدّاً والنجاح فيها يحتاج مساعدة الجميع. > حديثك عن الحركة الشعبية بهذه الطريقة، هل يعني انقلاباً في التحالف القوي بينكم وبين الحركة الذي بدأ مع منتصف التسعينيات من القرن الماضي؟
< هذا ليس انقلاباً، نحن شركاء للحركة الشعبية في الكفاح من أجل أن يكون المواطنون في السودان، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، متساوين في الحقوق والواجبات، ونحن عملنا سوياً طوال هذه الفترة في شراكة سياسية وشخصية كاملة، لكن هدفنا الرئيسي هو وحدة السودان، والصدقيّة التي تحكم علاقتنا تفرض علينا أن نقول رأينا بصراحة للحركة الشعبية، لكن العلاقات في قوّتها نفسها، والتنسيق مستمرّ بشكل كامل بيننا. > إذا كان الأمر بهذه الصورة، لماذا لم يشارك حزبكم في مؤتمر جوبا، وهو ما فسّره بعضهم بأنه مغازلة للمؤتمر الوطني؟
< لا يوجد أي مشكلة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهناك تواصل مستمرّ، والجذور ممتدة بيننا وبين الحركة الشعبية حتى قبل منتصف تسعينيات العام الماضي، وزيارات الحزب للجنوب لم تنقطع، رغم أن محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب لم يزر الجنوب من قبل، ورغم أن الميرغني لم يشارك في مؤتمر جوبا، إلا أن الحزب الاتحادي كان مشاركاً في مؤتمر جوبا، كما أن عدم ذهاب الميرغني الى الجنوب ليس عربون صداقة مع المؤتمر الوطني كما يدّعي بعضهم. نحن الآن ندعو الى مؤتمر أكبر من جوبا يضم الجميع. > هناك خلاف في الساحة السودانية حول مرحلة ما بعد الانفصال: الاتجاه الأول يقول بإمكانية قيام جوار أخوي بين الشمال والجنوب، كما يقول الصادق المهدي من خلال الاتفاقية التي وقّعها مع الحركة الشعبية، لكن الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل يحذّر من وقوع سلسلة من الحروب الحدودية بين الشمال والجنوب قد تندلع إذا قرّر الجنوب الانفصال؟
< نحن لا نعتقد بأنه سيكون هناك جوار أخوي أو صداقة أو تكامل بين دولتي الشمال والجنوب إذا اختار الجنوب الانفصال عن الشمال، وكل المؤشّرات تؤكد أنه لن يكون هناك تعايش سلمي بين الطرفين، لأن مرارات الماضي ومناكفات الحاضر لا يمكن أن تقود الى جوار أخوي، لذلك لو اختار الجنوب الانفصال، فإننا سنكون على موعد مع مجموعة من الحروب بين الشمال والجنوب، لأن الحدود بين الطرفين ليست مجرّد غابات أو صحار، لكنها حدود بتروليّة، وكل شبر من الأراضي الحدودية تسبح تحتها بئر من البترول. ونحن نعتبر أن الحدود قنبلة موقوتة، وأن الدول التي لها مصالح في بترول السودان سوف تنفخ في هذه الخلافات الحدودية لكي يضمن كل طرف حصّته من البترول. لذلك فإن الحديث عن جوار أخوي وصداقة بين الدولة الجديدة والسودان هو نوع من الرومانسية. > هل يمكن أن تمتدّ مخاطر الانفصال الى دول الجوار، كما تخشى مصر من تضاؤل حصّتها من المياه والتي تعتبر السودان بوضعها الحالي أكبر داعم لها؟
< إعتقادي أن مخاطر الانفصال لن تتوقّف على مصر أو حتى دول الجوار جميعها، لكن يمكن أن يصل الأمر السلبي الى غالبية الدول الأفريقية، لذلك هناك مصلحة حقيقية لدول الجوار في بقاء السودان موحّداً، وللأسف الشديد فإن حكومة الوحدة الوطنية لم تأخذ من اسمها شيئاً خلال ما مضى من الفترة الانتقالية، وعلينا جميعاً التمسّك بالأمل حتى آخر يوم قبل الاستفتاء على الوحدة المقرّر في ٩ (يناير) ٢٠١١ >
سلسلة من الحروب الطاحنة تنتظر السودان إذا قرّر الجنوب الانفصال
ربما يكون من المهم التعرّف الى طريق ثالث في ظلّ الأجواء التي تعيشها الحالة السودانية التي يتنازعها شريكا الحكم في السودان. هذه الرؤية يقدّمها لنا حاتم السر علي عضة=و الهيئة القيادية بالحزب الاتحادي السوداني والناطق الرسمي باسم الحزب، في هذا الحوار، وهو أقدم الأحزاب السودانية الذي كان يدعو الى الوحدة بين مصر والسودان قبل أن يختار السودان الاستقلال، كما ينفرد الحزب الاتحادي بخاصّية غير موجودة في الساحة السودانية، وهو أنه الحزب الوحيد من الشمال الذي ينفرد بعلاقات خاصة وطويلة مع الحركة الشعبية الجنوبية ذات التوجّه العلماني.
«المشاهد السياسي» ـ القاهرة
> البرنامج الأساسي للحزب الاتحادي يقوم منذ أربعينيات القرن الماضي على الوحدة بين مصر والسودان، والآن بعد ستين عاماً يواجه السودان مشكلة انفصال الجنوب، بعد التصريحات الأخيرة لسلفا كير زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان. ماذا أنتم فاعلون لمنع وقوع الانفصال وأنتم من أكبر القوى السياسية الشمالية والتي حكمت السودان لفترة طويلة؟
< أنا لا أتمنّى الحديث كثيراً حول تصريحات سلفا كير في شأن دعوته العلنية الى أبناء الجنوب للانفصال عن الشمال، لكي يكونوا مواطنين من الدرجة الأولى كما نقل عنه. ونحن نتعامل مع النفي القاطع الذي أعلنه سلفا كير والحركة الشعبية في هذه التصريحات، لكن هناك ما هو أشدّ خطورة من تصريحات سلفا كير، وهي أن جميع المؤشّرات تشير الى أن الجنوب في طريقه الى الانفصال عن الشمال، فجميع استطلاعات الرأي تؤكّد أن الجنوب ماض نحو الانفصال عن الشمال، ونحن كحزب وحدوي نرفض الانفصال تماماً ولا نعمل لأجله، لكن في الوقت نفسه نرفض الحرب من أجل الوحدة، لأن الوحدة يجب أن تكون طوعيّة واختيارية. فرصتنا الوحيدة لكي تكون الوحدة طوعيّة هي الفترة الانتقالية التي تنتهي في العام ٢٠١١، حتى يختار المواطن في الجنوب الوحدة ويفضّلها على الانفصال. وعلى عكس القوى السياسية السودانية، سواء في الشمال أو الجنوب، نحن لا نعتقد بأن التنمية الاقتصادية في الجنوب ستكون كافية لضمان بقاء السودان موحّداً، لأننا نعتقد بأن الوحدة لا بد من أن ترتبط بتغيير الثقافة والقوانين بحيث تساوي بين الجميع، وتجعل من المواطنة المعيار الوحيد للتعامل مع جميع السودانيين، وأن يتم إلغاء جميع القوانين المقيّدة للحرّيّات، والتي تتعارض من نصوص الدستور الانتقالي الذي يقوم على اتفاقية السلام الشامل. والآن هناك فجوة كبيرة بين القوانين التي جاءت في الدستور الانتقالي وبين الواقع الذي نعيشه، والتأخّر والتأجيل في تغيير القوانين القديمة وعدم السرعة في التحوّل الديمقراطي، هما السبب الأول للرغبة في الانفصال عن الشمال. > هل تعتقد بأنه فات الأوان على جعل خيار الوحدة خياراً مقبولاً للجنوبيين؟
< نحن لا يجب أن نفقد الأمل في بقاء السودان موحّداً، وللأسف الشديد هناك الكثيرون يتعاملون الآن وكأن الجنوب اختار بالفعل الانفصال عن الشمال، وهذا خطأ سياسي فادح، يجب أن نحاول ونكرّر المحاولة حتى آخر يوم من أيام الفترة الانتقالية. > إذا قرّر الجنوب الانفصال، مَن الذي يتحمّل مسؤولية الانفصال؟
< شريكا الحكم، وهما المؤتمر الوطني والحركة الشعبية اللذان يتحمّلان المسؤولية بالدرجة الأولى. لأنه طبقاً لما جاء في اتفاقية السلام الشامل، فإن الطرفين مسؤولان عن جعل خيار الوحدة خياراً جاذباً، عن طريق تحقيق التنمية في الجنوب، وإجازة القوانين الجديدة التي تتّفق مع وحدة السودان، وإلغاء جميع القوانين السابقة، وكلاهما لم يفعلا ما يتوجّب عليهما حتى الآن، ونأمل أن يستدركا هذا التقصير خلال الفترة المقبلة حتى إجراء الاستفتاء. وهناك مثال واضح الآن على هذه المناكفات السياسية، وهو ما يتعلّق بتغيير قانون الأمن الوطني، فالمؤتمر الوطني يريد أن يجعل من القانون مثل القوانين الراهنة التي تسمح بالاعتقال وغيرها من الأفعال التي لا تتّفق مع روح اتفاقية السلام، لكن الحركة الشعبية ترفض ذلك، وهو ما ينتقده المؤتمر الوطني بشدّة، ويقول نريد قانوناً للأمن وليس مركز دراسات وجمع معلومات. > أين كان دور الأحزاب الكبيرة في الشمال، مثل الاتحادي والأمّة حتى لا يصل الأمر بين الطرفين الى هذا الحد؟
< الأحزاب الشمالية، ومن خلال المساحة المتاحة لها في العمل الشعبي، حاولت كثيراً، سواء من خلال عقد الندوات والحديث في وسائل الاعلام، لكن مساحة العمل الرسمي محتكرة بشكل رئيسي من جانب المؤتمر الوطني، والحركة الشعبية من خلال وجود حزب المؤتمر الوطني بنسبة ٥٢٪ في البرلمان، والحركة الشعبية بنسبة ٢٨٪، ولذلك هما اللذان يصدران القوانين في البرلمان من خلال الأغلبية التي يتمتّعون بها في البرلمان، وبالتالي ليس هناك مساحة لعمل الأحزاب والقوى السياسية الأخرى في المجال التنفيذي. > المبعوث الأميركي الى السودان سكوت غريشن يقود محادثات مضنية بين شريكي السلام وتمّ بالفعل الاعلان عن بعض النتائج. هل تعتقد بأن واشنطن قادرة على حسم الخلافات نهائياً بين الطرفين؟
< الخلافات بين شريكي الحكم بدأت منذ اليوم الأول لتوقيع اتفاقية السلام، وهناك جهات إقليمية ودولية كثيرة تدخّلت لحسم الخلاف بين الطرفين، لكن الخلافات تعود كما كانت عليه وأكثر، وأنا أتذّكر يوم أن جاء وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، ومعه الوزير عمر سليمان مدير المخابرات المصرية، وزارا الخرطوم وجوباً، وبعدها أعادت الحركة الشعبية وزراءها الى الحكومة، لكن هذا لم يمنع من تجدّد الخلافات بين الطرفين، مما أدّى الى ما نحن فيه الآن. أنا أقول لا بد من وجود إرادة سياسية حقيقية بين شريكي الحكم في السودان، ومهما فعل المبعوث الأميركي أو غيره فإن الخلافات يمكن أن تعود من جديد، والضحيّة في النهاية هو الشعب السوداني ووحدة السودان، لأن الخلاف الأخير بين شريكي الحكم أدّى الى انسحاب البرلمانيين التابعين للحركة الشعبية من المجلس الوطني وتضامن معهم باقي الأحزاب السودانية، وكان من نتيجة ذلك التأخير في تشريع وسنّ قوانين كثيرة كان يفترض صدورها. أنا هنا لا أحمّل الحركة الشعبية مسؤولية الانسحاب أو تعطيل القوانين، لكن مجرّد الخلاف يعطّل تحقيق الوحدة الحقيقية ويعطي إشارات سالبة للمواطن في الجنوب. > تردّد أن الحزب الاتحادي الديمقراطي طرح مبادرة على مصر والسعودية وليبيا وإريتريا، لعقد ملتقى وطني، أو حوار وطني سوداني، يجمع كل السودانيين لحلّ المشاكل المزمنة. ما حقيقة هذه المبادرة وما موقف الدول التي طرحتموها عليها؟
< نحن نعتقد بأن وحدة السودان واستقراره لا تهمّان السودانيين فقط، بل تهمّان دول الجوار الإقليمي التي تتأثّر سلباً وإيجاباً باستقرار السودان، وهناك دول بعينها تلعب دوراً إيجابياً في الحفاظ على وحدة السودان واستقراره مثل ليبيا ومصر وإريتريا، لذلك هناك مبادرة من جانبنا لإخراج السودان من المأزق الحالي، لأننا نعتقد بأن كل الحلول المطروحة على الساحة حلول جزئية، لا يمكن أن تفي بحاجة السودان الى حلول متكاملة تضع أرضية صالحة لبدء مرحلة جديدة من تاريخ السودان، تقوم على مشاركة جميع أبنائه في حلّ مشاكله. وتمّ طرح هذه المبادرة بشكل رسمي من جانب السيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الاتحادي، على مصر وإريتريا، على أن تكون ليبيا والمملكة العربية السعودية والجامعة العربية وباقي الدول العربية والأفريقية التي تهتم بمستقبل السودان، مشاركة في هذا الحوار الوطني. والحوار الوطني الذي ندعو إليه يهدف الى حلّ مشاكل الجميع والاتفاق على أجندة موحّدة للتعامل مع هذه المشاكل، والخروج بحلول متّفق عليها حتى لا ينفرد طرف أو طرفان بالحلول، لأننا نرفض الحلول الجزئيّة والاتفاقيات الثنائية التي أثبتت أنها غير كافية لحلّ مشكلات السودان. وطلبنا من مصر أن تقود حواراً وطنياً سودانياً على غرار استضافتها الحوار الوطني الفلسطيني. نحن نريد حواراً وطنياً سودانياً شفّافاً يعطي المصلحة العليا للوطن أولوية على حساب المصلحة الحزبية، وحتى الآن هناك إشارات إيجابية من جانب القوى السياسية السودانية، ونسعى لكي يعلن المؤتمر الوطني والحركة الشعبية موقفيهما من هذا الحوار. ونحن نحذّر من عدم التجاوب مع هذه الدعوة الى الحوار، لأن البديل سيكون الفوضى الشاملة. لأنه في ظلّ الاحتقان الحالي، فإن كل الاحتمالات واردة. نحن من جانبنا لا نريد ثروة ولا سلطة، لكننا نريد وطناً للجميع فقط. > في ظلّ هذا الاحتقان في السودان، هل ستجرى الانتخابات خصوصاً وأن تسجيل الناخبين بدأ منذ أيام؟
< الأولوية الآن يجب أن تكون لوحدة السودان والعمل على جعل أبناء الجنوب يصوّتون للوحدة، لأنه ما قيمة الانتخابات فيما لو اختار الجنوب الانفصال؟ ونحن نعمل على رفع الوعي ليس لدى المواطن الجنوبي فقط بل عند المواطن الشمالي أيضاً، لأن هناك من يقول الآن في الشمال إن الجنوب كان دائماً عبئاً على الشمال، وبسبب الجنوب كانت هناك الحروب وتعطّلت التنمية في الشمال، بل بعضهم يذهب الى القول إن الجنوبيين يحتلّون الشمال والعاصمة الخرطوم، في حين أن الشمال لا يأخذ شيئاً من الجنوب، وهذا أكبر خطر على الوحدة أن يكون هناك عدم رغبة متبادلة بين الجانبين في الوحدة. ونحن نقول للجنوبيين والشماليين، إن العلاقة بيننا في الحزب الاتحادي والحركة الشعبية خلال أكثر من عشرين عاماً في التجمّع الوطني الديمقراطي، أكبر دليل على إمكانية التعايش بين الشمال والجنوب، وعندما تعرّض الشعب في الجنوب الى محنة كبيرة، وكانت الحرب مستعرة بين الشمال والجنوب دفع الحزب الاتحادي كل ما يملك من أجل توفير الغذاء لأبناء الجنوب من منطلق كونهم سودانيين في كل الأحوال. نحن كنا مع الحركة الشعبية. والشراكة السياسية الكاملة مثال قوي للغاية لكل سوداني سواء في الجنوب أو الشمال، بأن الوحدة ممكنة وأن التعايش بين أبناء الوطن الواحد ممكنة. > هناك من يطالب بتعديلات على اتفاقية السلام، هل تشاطرونهم هذا الرأي؟
< أعتقد بأن الاتفاقيات السياسية مهما كانت قابلة للتعديل والتطوير، لأنها في البداية والنهاية ليست كتباً سماوية. يمكن التعديل والتغيير فيها إذا كانت نتيجة هذا التعديل الحفاظ على وحدة السودان، لكن في الوقت نفسه من دون فرض الوحدة بالقوّة، سواء قوّة القانون أو قوّة السلاح على الجنوبيين. نحن نريد روح الاتفاقية. وأنا أعتقد بأن المشكلة ليست في النصوص، لكن في عدم التنفيذ الصادق والأمين لما جاء في الاتفاقية. > كيف ترى ما تعلنه قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان من أنها تسعى للوحدة، لكن الأمر قبل كل شيء بيد المواطن عند التصويت؟
< أنا لا أستطيع أن أفهم هذا الحديث، لأن مهمّة القائد والسياسي في كل الظروف، وخصوصاً في الظروف الصعبة، هو توجيه المواطن وتنمية وعيه بالقضايا الهامّة. المواطن قد يكون عاطفياً أو يرى الأمر من جانب واحد، أو متأثّراً بسقوط أحد أقاربه في الحرب، وكل هذا يحتاج الى معالجات من جانب القيادة السياسية، لهذا أنا أقول إن الحركة الشعبية يمكن أن تفعل الكثير من أجل الوحدة، رغم أن الفترة الباقية من الفترة الانتقالية قليلة جدّاً والنجاح فيها يحتاج مساعدة الجميع. > حديثك عن الحركة الشعبية بهذه الطريقة، هل يعني انقلاباً في التحالف القوي بينكم وبين الحركة الذي بدأ مع منتصف التسعينيات من القرن الماضي؟
< هذا ليس انقلاباً، نحن شركاء للحركة الشعبية في الكفاح من أجل أن يكون المواطنون في السودان، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، متساوين في الحقوق والواجبات، ونحن عملنا سوياً طوال هذه الفترة في شراكة سياسية وشخصية كاملة، لكن هدفنا الرئيسي هو وحدة السودان، والصدقيّة التي تحكم علاقتنا تفرض علينا أن نقول رأينا بصراحة للحركة الشعبية، لكن العلاقات في قوّتها نفسها، والتنسيق مستمرّ بشكل كامل بيننا. > إذا كان الأمر بهذه الصورة، لماذا لم يشارك حزبكم في مؤتمر جوبا، وهو ما فسّره بعضهم بأنه مغازلة للمؤتمر الوطني؟
< لا يوجد أي مشكلة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهناك تواصل مستمرّ، والجذور ممتدة بيننا وبين الحركة الشعبية حتى قبل منتصف تسعينيات العام الماضي، وزيارات الحزب للجنوب لم تنقطع، رغم أن محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب لم يزر الجنوب من قبل، ورغم أن الميرغني لم يشارك في مؤتمر جوبا، إلا أن الحزب الاتحادي كان مشاركاً في مؤتمر جوبا، كما أن عدم ذهاب الميرغني الى الجنوب ليس عربون صداقة مع المؤتمر الوطني كما يدّعي بعضهم. نحن الآن ندعو الى مؤتمر أكبر من جوبا يضم الجميع. > هناك خلاف في الساحة السودانية حول مرحلة ما بعد الانفصال: الاتجاه الأول يقول بإمكانية قيام جوار أخوي بين الشمال والجنوب، كما يقول الصادق المهدي من خلال الاتفاقية التي وقّعها مع الحركة الشعبية، لكن الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل يحذّر من وقوع سلسلة من الحروب الحدودية بين الشمال والجنوب قد تندلع إذا قرّر الجنوب الانفصال؟
< نحن لا نعتقد بأنه سيكون هناك جوار أخوي أو صداقة أو تكامل بين دولتي الشمال والجنوب إذا اختار الجنوب الانفصال عن الشمال، وكل المؤشّرات تؤكد أنه لن يكون هناك تعايش سلمي بين الطرفين، لأن مرارات الماضي ومناكفات الحاضر لا يمكن أن تقود الى جوار أخوي، لذلك لو اختار الجنوب الانفصال، فإننا سنكون على موعد مع مجموعة من الحروب بين الشمال والجنوب، لأن الحدود بين الطرفين ليست مجرّد غابات أو صحار، لكنها حدود بتروليّة، وكل شبر من الأراضي الحدودية تسبح تحتها بئر من البترول. ونحن نعتبر أن الحدود قنبلة موقوتة، وأن الدول التي لها مصالح في بترول السودان سوف تنفخ في هذه الخلافات الحدودية لكي يضمن كل طرف حصّته من البترول. لذلك فإن الحديث عن جوار أخوي وصداقة بين الدولة الجديدة والسودان هو نوع من الرومانسية. > هل يمكن أن تمتدّ مخاطر الانفصال الى دول الجوار، كما تخشى مصر من تضاؤل حصّتها من المياه والتي تعتبر السودان بوضعها الحالي أكبر داعم لها؟
< إعتقادي أن مخاطر الانفصال لن تتوقّف على مصر أو حتى دول الجوار جميعها، لكن يمكن أن يصل الأمر السلبي الى غالبية الدول الأفريقية، لذلك هناك مصلحة حقيقية لدول الجوار في بقاء السودان موحّداً، وللأسف الشديد فإن حكومة الوحدة الوطنية لم تأخذ من اسمها شيئاً خلال ما مضى من الفترة الانتقالية، وعلينا جميعاً التمسّك بالأمل حتى آخر يوم قبل الاستفتاء على الوحدة المقرّر في ٩ (يناير) ٢٠١١ >
No comments:
Post a Comment